محمد أبو زهرة

1546

زهرة التفاسير

عهده المتقون ، وإن عطاءه لحكمة ، ومنعه لحكمة ، وفيه إشارة إلى كمال قدرته ، وأنه إن أوعد بالعقاب ، ووعد بالثواب فهو القدير على تنفيذ ما وعد وأوعد . وبعد أن بين سبحانه ملكه للسماوات والأرض أشار إلى ما فيهما من عبر ، فقال تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ . وقد قال فخر الدين الرازي في علاقة هذه الآيات بما قبلها : « اعلم أن المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب القلوب والأرواح من الاشتغال بالخلق إلى الاستغراق في معرفة الحق ، فلما أطال الكلام في تقرير الأحكام والجواب عن شبهات المبطلين عاد إلى إنارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والإلهية والكبرياء والجلال فذكر هذه الآيات » . وفي الحق ، إن هذه الآيات تدعو إلى التدبر والتفكر في هذا الكون العظيم ، وصانعه الحكيم ، ومبدعة ومنشئه من العدم ، والآيات : الأمارات الواضحة الدالة على قدرة الصانع وسلطانه وكمال حكمته ، واختلاف الليل والنهار هو تعاقبهما ، مع تخالف مظاهرهما ، فهذا نور ساطع ، وذلك ظلام حالك ، وفي النهار الشمس التي تمد الأرض بحرارتها وأشعتها ، وبها يحيا النبات ويحيا الإنسان ، وفي الليل النجوم الزاهرة ، والقمر الباهر ، وأولو الألباب هم أهل العقول المدركة التي تنفذ إلى لب الأشياء ، ولا تكتفى بظواهرها ، وما أحسن ما قاله الزمخشري في وصف أولى الألباب : « الذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار ، ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عن عجائب الفطرة ، وفي النصائح الصغار : « املأ عينيك من زينة هذه الكواكب ، وأجلهما في جملة هذه العجائب ، متفكرا في قدرة مقدرها متدبرا في حكمة مدبرها ، قبل أن يسافر بك القدر ، ويحال بينك وبين النظر » وليس كل أولى الألباب يفهمون الآيات ، بل لا بد من قلب خاشع ، وعقل متفكر ، ولذلك ذكر لأولى الألباب أوصافا أخرى لهم : أولها - نوه إليه سبحانه بقوله : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ .